الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني
43
هداية المسترشدين ( طبع قديم )
إلى بعض الإطلاقات لا يفيد تعويلهم على مجرد الاستعمال فقد يكون الملحوظ هناك تبادر ذلك المعنى من كلامهم أو الرّجوع إلى غيره من علائم الحقيقة كيف والبناء على أصالة الحقيقة مطلقا ليس معروفا بين أهل اللغة ولا منقولا عنهم في الكتب الأصولية وقد ظهر بما ذكرنا ما قد يستدل به للقائل بأصالة الحقيقة في المتعدد أيضا والوجه في تضعيفه إلا أنه لا ثمرة بين القولين إلا في بعض الصور وتوضيح المرام أنه مع استعمال اللفظ في المعنيين إما أن يقوم بعض أمارات الحقيقة على وضعه لكل منهما أو بعض علائم المجاز على عدم تحقق الوضع لشيء منهما أو تقوم الأمارة على كونه حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر أو يقوم أمارة المجاز في أحدهما من غير قيام أمارة الحقيقة أو المجاز بالنسبة إلى الآخر أو يقوم أمارة الحقيقة في أحدهما كذلك أو لا يقوم شيء من الأمارتين على شيء من الأمرين فعلى الثلاثة الأول لا كلام وكذا على الرابع لخروجه أيضا عن محل الكلام لكونه من متحد المعنى كما عرفت وعلى الخامس يحكم بالتجوز في الآخر لأصالة انتفاء الوضع فيه وأغلبية المجاز وقلة مئونته وغير ذلك مما مر والثمرة بين القولين هنا ظاهرة وربما يتوهم خروجه عن محل البحث وهو ضعيف لإطلاق القائلين بالبناء على الحقيقة من غير إشارة إلى التفصيل وعلى السادس قد عرفت الحال فيه إلا أنه لا يتفرع هنا ثمرة على القولين لوجوب التوقف في فهم المراد مع انتفاء القرينة على الوجهين وتوقف حمله على أحدهما على قيام القرينة في كل من المذهبين هذا وقد يحكى قولان آخران في المقام أحدهما القول بتقديم المجاز على الحقيقة فظهور الاستعمال في المجاز في متحد المعنى ومتعددة فقد عزي إلى بعض المتأخرين الميل إليه لما حكي عن ابن جني من غلبة المجاز على الحقيقة وأن أكثر اللغة مجازات فالظن يلحق المشكوك بالأعم الأغلب وهو بين الفساد كيف ولو كان كذلك لزم عدم ظهور اللفظ في معناه الموضوع له حال التجرد عن القرائن وكان حمل اللفظ على معناه المجازي أظهر من حمله على الحقيقي وقد عرفت فساده بل مصادفة لما قضت به الضرورة وقد ذكر في بيان الغلبة المدعاة أنا إذا قلنا قام زيد فقد تجوزنا حيث استندنا المصدر المتناول لكل قيام إلى واحد وكذا الحال في سائر الأفعال المستندة إلى سائر الفاعلين وكذا لفظ زيد ونحوه اسم لجميع أسماء الأجزاء الذاهبة منها والباقية وقد أطلق على بعضها وبملاحظة ذلك ونظائره يظهر عدم خلو شيء من الألفاظ عن التجوز إلا نادرا وهذا كما ترى عين البطلان لظهور أن المادة المأخوذة في ضمن الأفعال إنما وضعت لمطلق الحدث الصادق على كل من الآحاد لا أن يكون موضوعا بإزاء مجموعها ولا له مقيدا باعتبار صدقه على الكثير وليس البدن بجميع الأجزاء المتحللة والباقية مأخوذا في بعض الأعلام وإنما أخذ فيه على وجه كلي يأتي الإشارة فيه إليه في محل آخر إن شاء الله تعالى فدعوى التجوز في المثال المذكور ونحوه مجازفة واهية وربما يوجه ما ذكره بأن أكثر التراكيب المتداولة في ألسنة البلغاء مستعملة في معانيها المجازية إذ لا يريدون غالبا من التراكيب الخبرية مثلا ما وضعت بإزائها وإنما يريد منها في الغالب المدح أو الذم والتحزن أو التضجع [ التفجع ] أو المبالغة ونحوها وهو أضعف من سابقه إذ هو مع اختصاصه بالتراكيب وخصوص الوارد منها في كلام البلغاء في مقام البلاغة فلا يجري في المرادات ولا في كلام غيرهم بل ولا في كلامهم في غير المقام المذكور محل منع ظاهر وقد عرفت عدم حصول التجوز في شيء من المركبات المذكورة في كثير من استعمالاتها المتداولة ومع الغض عن ذلك فالدعوى المذكورة في كثير من استعمالاتها المتداولة في أصلها محل خفاء أيضا ثانيهما القول بالوقف وعدم ظهور الاستعمال في شيء من الأمرين وقد حكى ذلك بعض المحققين قولا في المقام فجعل الأقوال في المسألة أربعة واختاره بعض أفاضل العصر وقال إنه المشهور وهو غريب إذ لم نجده مصرّحا بذلك بل استنادهم إلى أصالة الحقيقة في متحد المعنى معروف وقد عرفت حكاية الإجماع عليه من العلامة رحمه الله وهو الظاهر من السيد في الذريعة حيث ذكر في مقام إثبات كون الاستعمال في المتعدد أمارة على وضعه لها أنه ليس استعمال اللفظ في المعنيين كاستعماله في المعنى الواحد في الدلالة على الحقيقة فقد جعل الحكم بدلالة الاستعمال على الحقيقة في متحد المعنى مفروغا عنه في المقام وكأنه أخذ ذلك مما اشتهر بينهم من كون الاستعمال أعم من الحقيقة حملا له على ما إذا تبين المراد والشك في الموضوع له فأريد به دفع دلالة الاستعمال على الحقيقة وإن كان الأصل بعد العلم بالموضوع له والشك في المراد هو الحمل على الحقيقة كما هو قضية الأصل المشهور فجمع بين الحكمين المشهورين على النحو المذكور وقد عرفت التحقيق في وجه الجميع وأن المقصود من الحكم المذكور أحد الوجهين المتقدمين فلا ربط له بما ادعاه وكيف كان فالوجه في ذلك عدم الملازمة بين الاستعمال والوضع وإن كان ظهور المدعى في المقام وقد عرفت ضعفه مما قدمناه ويومي إليه أن الاستعمال في معنى الحمل فإنه إذا أطلق الأسد على الرجل الشجاع كان بمنزلة قولك الرجل الشجاع أسد وقد اعترف الفاضل المذكور بكون الحمل ظاهرا في بيان الموضوع له كما إذا قال اقرأ في ليلة القدر هذه الليلة سورة الفلانية وإن لم يكن ذلك بنفسه دليلا على الوضع عندنا حسبما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى سادسها ورود اللفظ في مقام البيان مجردا عن القرائن مع حصول العلم بالمعنى المقصود من الخارج من غير قرينة منصوبة من المتكلم أو ملحوظة له في الإفهام وعدم استعماله في غيره في مقام البيان إلا مع إقامة قرينة صارفة عن الأول معينة له فإذا أوجد اللفظ على النحو المذكور في الاستعمالات المتداولة دل ذلك على كونه حقيقة في الأول مجازا في غيره فإن ذلك من لوازم الوضع وعدمه وكذا الحال فيما إذا لوحظ تردد أهل العرف في فهم المعنى وحكمهم بإجمال المقصود عند الإطلاق فإن ذلك من أمارات الاشتراك لكن لا بد في المقام من العلم أو الظن بانتفاء سائر الوجوه الباعثة على ذلك ككونه الفرد الكامل أو غيره فلو احتمل أن يكون الاتكال في الأول على كماله الباعث على الانصراف إليه وفي الثاني على نقصه الموجب للانصراف عنه كما هو الحال في صيغة الأمر بناء على وضعها للطلب بالنسبة إلى انصرافه إلى الوجوب وعدم انصرافه إلى الندب إلا مع قيام القرينة عليه لم يصح الاستناد إلى إرادة الوجوب منها مع الإطلاق في مقام البيان في كونها حقيقة فيه ولا في كونها مجازا في الندب بعدم إرادته حينئذ إلا مع وجود قرينة صارفة عن الوجوب لاحتمال الاتكال على كمال الطلب الحاصل في الوجوب في عدم الاحتياج إلى نصب قرينة حال إرادته وكون ذلك هو الباعث على التزام نصبها عند إرادة غيره وكذا لو احتمل أن يكون شيوع المعنى وغلبيته باعثا